في كل صيف يحج آلاف عشاق موسيقى كناوة للصويرة بحثا عن غذاء روحي فريد ينبعث من أنغام الموسيقى التي تعكس تاريخ المدينة، والذي يمتد عبر قرون، عاشت خلالها الصويرة لحظات المجد وكذلك قرونا من التهميش والنسيان، قبل أن تنبعث مؤخرا من سباتها. ولم يكن صدفة أن ترتبط نهضتها بالموسيقى، والتي جعلت منها في السبعينيات محجا لعشاق الحرية من كل مناطق العالم، كما منحتها حاليا صورة مدينة التسامح التي تمنح للزائر في وقت واحد فرادة التاريخ ومتعة الفنفي البداية كانت موغادور الجزيرة الصغيرة قرب مدينة الصويرة، ويعتبر من أهم المواقع الفينيقية بغرب البحر الأبيض المتوسط . أثبتت الحفريات الأثرية التي أجريت بالجزيرة وجود بقايا أركيولوجية تتمثل في أواني فخارية وأمفورات يرجع أقدمها إلى النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد . وقد دلت الأبحاث الأركيولوجية أن جزيرة موغادور عرفت فترة فراغ ما بين القرن الخامس والأول ق.م ، إلا أن وجود بعض القطع الفخارية ترجع للقرن الرابع ق.م يدل على وجود علاقات تجارية بين الجزيرة وباقي المدن الموريطانية بالمغرب القديم . في عهد الملك الموري يوبا الثاني، عرفت الجزيرة ازدهارا مهما إذ كانت تتواجد بالموقع مصانع لإستخراج الصباغة الأرجوانية. دلت الحفريات الأثرية على استيطان الجزيرة خلال الفترة الرومانية إلى حدود القرن الخامس الميلادي. الصويرة أما مدينة الصويرة كما نعرفها اليوم فقد ارتبطت بالعهد العلوي والذي يعتبر عهد التأسيس الحقيقي للمدينة والذي يعود إلى سنة 1760م، السنة التي تتزامن وإنشاء السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله ميناء الصويرة الذي فتح في وجه التجارية الخارجية بغية تطوير المغرب لعلاقاته مع أوربا. ففي عام 1764، شاءت إرادة سيدي محمد بن عبد الله أن يجعل من الصويرة أهم ميناء بحري على المحيط الأطلسي. فأصدر أوامره في البدء بإقامة سور على الصخور المتاخمة للساحل. هذه الجزيرة التي لا يشدها لليابسة سوى بحيرة مرجانية كانت المراكب ترسو بها في القرون الوسطى إبان مواسم العواصف. لقد لعبت مدينة الصويرة قديما دورا رياديا كمحطة أساسية بين أفريقيا وأوروبا. ولهذا كان يطلق ليها اسم ميناء «تومبوكتو». فهناك كانت القوافل القادمة من تومبوكتو امتدادا للمراكب المتجهة صوب البلدان الأوروبية. وفي نهاية موسم الحصاد، وبعد جني ما جادت به الأرض المعطاء، وعشية تنظيم موسمهم السنوي المسمى "مروف"، يباشر "الكانكا" جولة كبرى عبر كل مناطق حاحا وحتى ما ورائها. وعبر الطبول المستحضرة لأصوات الآلهة المنبعثة من أعماق إفريقيا تتميز هوية "الكانكا" لدى بربر مناطق حاحا
إن ما يجسد هذا التلاقح بين البربر والزنوج تلك الرقصات الجماعية الرائعة التي تجمع بين أحواش البربرية والطابع الافريقي القادم إلى هنا اقتفاء لسير القوافل تتكون المدينة من ثلاثة أحياء مختلفة: › القصبة وتضم الحي الاداري القديم › المدينة العتيقة تقع بين محورين: الأول يربط باب دكالة بالميناء والثاني يمتد من باب مراكش ليطل على البحر. عند ملتقى المحورين وأنشئت عدة أسواق مختصة. › الملاح: الحي اليهودي الذي لعب دورا رئيسيا في تاريخ المدينة تبعا لسياسة سيدي محمد بن عبد الله الذي اعتمد على اليهود لتحسين علاقاته مع أوربا إلى أن جعل منهم طائفة شريفة تسمى ب " تجار الملك". على غرار باقي المدن المغربية العتيقة أحيطت مدينة الصويرة بأمر من السلطان سيدي محمد بن عبد الله سنة 1765م، بأسوار منيعة من أجل حمايتها من أي هجوم أجنبي. رغم امتياز أسوار المدينة بخاصيات هندسية دفاعية متأثرة بالهندسة العسكرية الأوربية الكلاسيكية إلا أنها تشبه في شكلها ومكوناتها الأسوار المحيطة بالمدن التاريخية المغربية الأخرى ، مدعمة بعدة أبراج وخمسة أبواب أهمها باب البحر. الهيبيزم وموسيقى كناوة وقد استعادت مدينة الصويرة في السنوات الاخيرة شهرتها العالمية التي اكتسبتها في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، والتي ارتبطت بانتشار فكر الهيبيزم في ظل مناخ التحرر حيث ارتبطت المدينة بأسماء نجوم كبار على رأسهم المغني جيمي هاندريكس، الذي تروي الحكايات أنه كان يقضي لياليه في منطقة خارج المدينة برفقة الموسيقيين يرتجلون الأغاني ويستلذون بمباهج الحياة. هذه الصورة الموسيقية لمدينة الصويرة تنامت أكثر بفضل ثروة الفن الكناوي الذي أعيد إحياؤه بقوة خلال السنوات الأخيرة من خلال مهرجانين مهمين: الاول هو مهرجان الصويرة لفن كناوة وموسيقى العالم، والثاني هو مهرجان مواهب كناوة. فإذا كان الاول يستقبل أبرز المعلمين والفنانين المشهورين، فإن الثاني يتيح الفرصة لاكتشاف المواهب الصاعدة من أجل الحفاظ على اشعاع هذا الفن الافريقي الذي قطع الصحراء ليستقر في قلوب ووجدان المغاربة الذين أخذوا على عاتقهم مهمة نشره في مختلف بقاع العالم. هذا الأمر الأخير هو الذي تحقق فعلا في العديد من المناسبات من خلال الالبومات العالمية التي يشارك فيها "معلمين كناويين" مع نجوم كبار استلهموا الفن الكناوي من أجل إغناء مسارهم الفني